كلما التقيت بها ينتابني الاحساس بالضعف أمام اصرارها العتيد، لم أقابل في حياتي امرأة لديها القدرة على تخطي الأزمات كقدرتها، فكرت يوماً بأن عليها أن تصبح متحدثة عامة تهدي من يستمع اليها بعضاً من صلابتها وشجاعتها، معظمنا نتوقف عندما تتحدانا الحياة باختباراتها المفاجئة، كثير منا يعجز عن تجاوزها والبعض لديه ايمان بذاته يدفعه للمحاولة على أقل تقدير وهناك حتماً من ينجح ويجتازها ببراعة.

تصوروا معي كيف يمكن أن تصبح حياة سيدة مبدعة تهوى الفن التشكيلي، وتعتاش على بيع لوحاتها وأعمالها اليدوية المتميزة التي تلقى اهتمام المبدعين والمهتمين وحتى الصحافة فقد أصبحت أخبار معارضها تزين الصفحات الاعلامية الفنية، وكانت قد تعاقدت مؤخراً مع عدة جهات لتزويدهم بلوحات من ابداعاتها تتلاءم وطبيعة المكان والأشخاص. وسط انشغالاتها الكثيرة وأحلامها المتصاعدة وعقودها المتزايدة، قطع حادث سير سلسلة أحلامها وأوقف سيل انجازاتها السريعة من التدفق، وأصيبت بحالة من رعاش اليدين المزمن لاصابة أثرت على أداء الأعصاب لديها بعد الحادث، ومُنعت من ممارسة موهبتها بأمر الأطباء.

ذكرتني تلك المبدعة بقول قرأته مرة لغاندي “ القوة لا تأتي من المقدرة الجسدية بل من الارادة التي لا تقهر أبداً”، حتى أني شعرت بأن هذه المقولة تخصها تحديداً أوقيلت عنها، فقد التقيت بها بعد أشهر قليلة بعد أن وصلتي دعوة لحضور معرض فني جديد في الجاليري الخاص بها، كانت تستقبل الحضور وهي جالسة على كرسي على باب المعرض كونها لا تقوى على الوقوف لمدة طويلة، تستقبلهم بابتسامة عرضها يتجاوز الأفق وعينين تملكان وهجاً ساطعاً، كانت قد حّولت معرضها الى مدرسة فنية، وأصبح تنظم فيه معارض لطلابها وأيضاً لفنانين معروفين، ذائقتها الفنية تطغى على المكان، أبقت على عقودها التي أبرمتها  قبل الحادث، و أصبحت تنجز أعمالها بمساعدة طلابها وطالباتها عشاق الفن وتحت اشرافها الدقيق، وتوسعت مبيعاتها بعد أن أصبحت تبيع مشغولاتها ولوحاتها عبر المتاجر الالكترونية، تجاوزت مبيعاتها بلدها، حين صارحتها بدهشتي على سرعتها في تخطي مصابها، أجابتني بتواضع: فقدت التركيز على استعمال يديّ لكني لم أفقدهما، كما أنني لم أفقد عقلي أوموهبتي، أحلامي لم تنتهِ بعد.

العمل اليوم أصبح مجازاً للجميع وتحت مختلف الظروف.

اتركي تعليقاً