بعد ولادتي لابنتي، قررتُ أن أترك عملي و أتفرّغ لرعايتها، كان قراراً صعباً لأنني أحب العمل كثيراً، ولا أفضّل الجلوس في المنزل، لشعوري بأنني لستُ منتجة و إنما مستهلكة فقط! و لكن بعد مجيء إبنتي، و ظهور تلك المسؤوليات اللانهائية، أدركت حاجتي لبقائي معها و رعايتها، وما زاد الأمر صعوبة، هو قراري بأن أُرضع ابنتي رضاعةً طبيعية، و عندما حان موعد فطامها، قررت البحث عن عمل، لشعوري بالحاجة لأن أنجز شيئاً جديداً، شيئاً ما لنفسي، و لأشعر بأهميتي في المجتمع كشخصية فاعلة و منتجة.

تشعر إبنتي بالخوف عندما لا تجدني حولها، و هذا كان أمراً يقلقني، كيف سأبتعد عنها، و هل ستتقبل الحضانة و هي في عمر السنتين؟ خصوصاً و أن أغلب الوقت تقضيه معي وحدي، و لا تختلط كثيراً بالأطفال لعدم خروجنا من المنزل كثيراً، و مع ذلك، قررت أن أتحدى نفسي و مشاعري.

حصلتُ على وظيفة، تبعد نصف ساعة عن المنزل، فقررت أن أسجّل إبنتي في حضانةً قريبة من عمل زوجي، و قمتُ بقضاء أول يوم معها لأرى مدى تقبلها للأمر، و انتهت الزيارة و أنا مطمئنة.

جاء اليوم الحاسم، كان أول يوم عمل لي و أنا أم، يختلف كثيراً عن أيام العمل بلا أمومة، فقد كان أكبر همي أن أصل لعملي دون تأخير، و أن أقرر ما سأُعدّه من طعام على العشاء. ذَهَبت ابنتي مع والدها، و تمالكتُ نفسي جيداً كي لا أبكي، لقد كان يوماً متعباً و مرهقاً لي، لم يتوقف عقلي عن التفكير بابنتي، و كنت أتواصل مع معلمتها كل ساعة لأطمئن عليها. لم أكن مرتاحةً أبداً، فهذا أول يوم تبتعد فيه عني! شعرت بالسوء لأنني أفكر بنفسي فقط! ابنتي بحاجة لي، و أنا أحتاجها أيضاً، ما زالت صغيرة جداً لأتركها في مكان تشعر به بالغربة، لم أنسى أبداً أول يوم لي في الروضة، كم كان بشعاً و مخيفاً! أعتقد أن ابنتي شعرت بنفس الشعور يومها و ربما أكثر!

كم كنتُ سعيدة عندما عادت ابنتي إلى المنزل، فقد عانقتني مطولاً، كان عناقاً لم أحصل عليه من قبل! و رمت برأسها على كتفي، شعرت بأنها تشكي تركي لها، عندها لم أتمالك نفسي و بكيت، هل أنا أم أنانية؟

عملتُ ليومَين إضافيين و لم يكونا أفضل بكثير، شعرت بأن العمل ينهكني، و قلقي على ابنتي يجعلني شاردة و فاقدةً لتركيزي، أدركت عندها أن ابنتي أهم و أولى من كل شيء، تركتُ العمل و أنا مقتنعة بأنني لن أندم على ذلك، و لكنني لم أستسلم، قررت أن أبحث عن عمل يُنجَز من المنزل، لم يكن الأمر سهلاً، خصوصاً و أن أغلب الشركات في بلدي لا تفضّل تطبيق هذه السياسة. و لكنني أؤمن بأن لكل مجتهدٍ نصيب، لذلك قررت ألا أيأس و أن أستمر بالبحث، و لحسن الحظ أنني وجدت وظيفة تشبهني كثيراً، و لطالما كانت شغفي، و الأجمل من كل ذلك هو أنها تُنجز من المنزل.

فرحت كثيراً بأن هناك شركة تؤمن بأحقيّة المرأة بالعمل و المشاركة في هذا المجتمع، فقد حصلت على وظيفة ( كاتبة و محررة لدى ستّات بيوت) لقد أُعطيتُ الفرصة الذهبية لإيصال صوتي لكل الناس، و لأنشر الوعي اللازم حول حقوق المرأة و سبل تمكينها و تدريبها، لأن القائمون على إنشاء هذا الموقع نؤمن بتأثير المرأة و قدراتها وما يمكن لها أن تحققه، إذا توفر لها الدعم و التدريب و الفرص المناسبة، كما نؤمن بأن مكانها ليس في المطبخ فقط! فهي تستطيع أن تترك بصمات النجاح في كل مكان، فالمرأة نصف المجتمع، و هي اللِبنة الأساسية في بنائه و بناء أجيال ناجحين قادرين على إحداث التغيير.

سعيدة أنا بالفرصة التي حصلت عليها، فأنا أعمل دون أن أشعر بالتقصير تجاه ابنتي، زوجي، بيتي و واجباتي الإجتماعية، أنتِ أيضاً من حقك أن تكوني منتجة و فاعلة و بجانب أطفالك في نفس الوقت، هناك الكثير من الفُرص و الوظائف التي تُعرض على الموقع يومياً، لا تدعي هذه الفرص تفوتك، لأنني واثقة بأنها ستغيّر حياتك للأفضل كما غيّرت حياتي.

اتركي تعليقاً